"المرأة والإعلام" و "المرأة والقانون
صدر عن "مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة" و"البنك الدولي" و"مجلس الإنماء والإعمار" ببيروت قراءة تحليلية في عينة من بحوث "المرأة والإعلام" والمرأة والقانون" ضمن برنامج تمكين المرأة.
وجاء هذا التقرير في جزأين من إعداد "نهوند القادري عيسى"، حصل مركز "كوثر" بتونس للدراسات وبحوث المرأة عن نسخة منه .
وقد جاء التقرير "قراءة تحليلية في عينة من بحوث المرأة والإعلام والمرأة والقانون" كجزء أساسي من برنامج متكامل حول "تمكين المرأة في الإعلام وفي القانون" والذي يتضمن تقريرين آخرين :"خطوات نحو التمكين: تحليل جوانب من التمييز ضد المرأة في القانون اللبناني"، "نحو تمكين المرأة في الإعلام من اجل تحقيق التكافؤ بين المواطنين والمواطنات".
و يقوم التقرير على شبكات تحليل ترصد الاتجاهات البحثية، المنطلقات الفكرية، المقاربات، آليات البحث، والحاجات التي عبرت عنها البحوث في هذين المجالين، وبالتالي يمكن للجهات التالية معينة بنتائجه:
الباحثون والباحثات: باعتبار نتائج البحث كاشفة لخططهم البحثية الظاهرة والمستنبطة علها تشكل لهم حافزا للمساءلة وللمراجعة المستمرة للاتجاهات البحثية السائدة وللمناهج المسيطرة، وللمفاهيم المهيمنة، والاعتماد على مقاربات جديدة، وجعلها أكثر تفاعلا في المجتمع، وأكثر مساهمة في تنمية الإعلام وفي تنمية القانون.
الجامعات يمكن أن تأخذ بهذا التقرير للاستئناس بنتائجه للوقوف على مدى التحولات التي طرأت على آليات ومقاربات ومنطلقات البحوث في هذين المجالين، وتساعدها على إدماج مفهوم النوع الاجتماعي في مناهجها.
صناع القرار يمكنهم الاستئناس بنتائجه للعمل على تطوير المناهج الجامعية وعلى تنمية البحوث وعلى تنمية الإعلام وتنمية القانون، لكن هذا التقرير يشكل إطارا رابطا بين مختلف هذه الفعاليات على تمكين المرأة.
المنظمات والنقابات المعنية بموضوع تمكين المرأة يمكنها أن تستند إلى المعطيات الواردة في التقرير لبناء استراتيجيات عملها لأنه يؤشر على مداخل للعمل على تنمية الإعلام وتنمية القانون وصولا إلى تمكين المرأة على هذين المستوين.
المشرعون يمكنهم أن يستندوا إلى هذا التقرير الذي يشدد على أهمية التفاعل بين المشرعين والبحوث الجادة التي تمدهم بالمعطيات الكفيلة بمساعدتهم على وضع القوانين في إطارها السليم.
وسائل الإعلام يمكنها أن تستفيد من هذا التقرير الذي قد يحفزها على أهمية العمل لإيجاد مساحة تواصل بين الباحثين ومنظمات المجتمع المدني وصناع القرار.
واعتمد التقرير على المنهج التفكيكي التحليلي الذي يقوم على تفكيك المدونة إلى اصغر أجزائها للتعرف على طبيعتها، وتصنيفها إلى فئات فرعية، ومن ثم إعادة تركيبها من جديد لبلوغ نتائج نوعية استعين في تبويبها باستخدام فئات مختلفة من محور إلى آخر. مع الإشارة إلى أن عينة "المرأة والإعلام" شملت 32 مخطوطة، وعينة "المرأة والقانون" شملت 39 مخطوطة، صدرت جميعها في الفترة الواقعة ما بين عامي 1995 و 2007.
و قد كاد البحث في موضوع "المرأة والإعلام" أن يتوج مجالا بحثا أنثويا، وهذا ما يؤشر إلى الصور الذهنية الجندرية المنمّطة القائمة على تقسيم جندري على مستوى اختيارات موضوعات البحث، والمنطلقة من فكرة أن المرأة يجب أن تبحث عن المرأة.
هذه النتيجة يمكن وضعها برسم الجمعيات والمنظمات الحقوقية والنسائية لأن تعمل على استقطاب باحثين شباب جنبا إلى جنب مع باحثات شابات.
فلغة البحوث عاملا محددا للاتجاهات التي سكلها الباحثون والباحثات، فبدت الانجليزية في اتجاه، والفرنسية في اتجاه، والعربية متأثرة تأرجحا بالاتجاهين: البحوث الصادرة باللغة الفرنسية بحثت بالدرجة الاولى في المرأة في الإعلام كموضوع، بحوث اللغة العربية بحثت فى المرأة كمرسلة، أما العربية فكان تركيزها بالدرجة الاولى على المرأة كموضوع وكمرسلة.
ولعل ذلك يعود إلى تأخر اللغة العربية عن الإنتاج المعرفي، والى " الجندر" كمفهوم ترعرع في حضن الانجليزية، تأخرت الفرنسية عن تلقفه، والعربية كان استهلاكا عسيرا عليها.
وبخصوص بحوث العينة :
غلب على بحوث العينة الطابع الميداني المتأرجح بين الكمي والنوعي.
تقدم المنهج الإحصائي والوصفي على باقي المناهج.
طغى تحليل المضمون كأداة بحثية على باقي الأدوات.
ذلك يعني أن هناك نوعا من القصور على المستوى المفاهيمي وعلى المستوى النظري، وان نتائج هذه البحوث هي عرضة للتكرار وللتبخّر لأنها تفتقد الأرضية الفكرية الحاضنة لها والمثمرة لعملها، المنتقلة بها من الكّم إلى النوع.
وفي ضوء هذه النتيجة لابدّ من عمل الباحثين والباحثات على رفد الأعمال الميدانية بأعمال نظرية تتغذى منها وتعود لتغذيتها من جديد.
وكانت معظم مقاربات وبحوث العينة كّمية، منطلقاتها الفكرية أسيرة البارادايم السلوكي، ترى أن لوسائل الإعلام مفعولا سحريا على الجمهور.
والدليل على ذلك أن نصف بحوث العينة اتجهت للعمل على صورة المرأة في الإعلام، المقرونة باستمرار بكلمة منّمطة، وعلى تقدير الباحثة لأثرها على الجمهور، بغض النظر عن ظروف من أنتجها ومن نقلها ومن استهلكها، وعن تقلباتها وتنوعها المتصلة بتبادلات السوق وتنوعاته.
إن معظم البحوث كانت بعيدة عن المقاربة الجندرية، إذ بغالبيتها نظرت إلى صورة المرأة بمعزل عن صورة الرجل، وجهدت لتأكيد التنميط على اعتبار انه أحادي الجانب، متعاملة مع وسائل الإعلام على أنها جامدة لم تهزها المنظومة الإعلامية المستجدة، ولا متغيرات أوضاع وسائل الإعلام.
كذلك البحوث التي عملت على المرأة كمرسلة، جزء منها مال إلى المقاربة الكمية، ولم يعر المقاربة النسقية الاهتمام، والقلة منها أشارت إلى القوانين المنظمة لعمل الإعلام في لبنان، وانعكاسها على نوعية العمل وعلى نوعية التعامل مع الإعلاميين والإعلاميات.
انطلاق مما تقدم، تنبثق الحاجة لاعتماد مقاربات نوعية جندرية بنائية لتتمكن البحوث من تحقيق نقلة نوعية، عبر الانتقال من خانة البحث في ما سمي "المرأة والإعلام" نحو "الجندر في الإعلام والاتصال" لمواكبة المتغيرات الطارئة على مستوى أوضاع النساء والرجال، وعلى مستوى أوضاع المجتمع، وعلى مستوى أوضاع وسائل الإعلام.
الباحثون والباحثات الأفراد كمجموعة بحثية تقدموا على الجامعات الخاصة ومن ثم على الجامعة اللبنانية كجهات مشرفة وناشرة للبحوث ي موضوع "المرأة والإعلام".
كذلك على المستوى النوعي بدا الفارق واضحا بين البحوث المشرفة عليها الجامعات وتلك التي بإشراف مجموعة باحثين وباحثات. فكانت رسائل الجامعات ميدانية كمية على الأغلب، في حين أن بحوث مجموعة باحثين وباحثات كانت بمعظمها ميدانية نوعية.
وكذلك المناهج المعتمدة في بحوث الرسائل الجامعية كانت بالدرجة الاولى إحصائية وصفية، والأدوات البحثية المستخدمة في بحوثها بدت مبعثرة أفقية، بمعظمها خارج سياق أوضاع المرأة، نادرا ما تتنبه للدلالات الغوية الجندرية.
وفي هذا السياق يمكن وضع النتائج برسم الجامعات في لبنان التي كاد يناهز عددها حوالي 40 جامعة خاصة إلى جانب الجامعة اللبنانية وبلغات واختصاصات متعددة، والتساؤل عن:
انعكاسات هذا التعدد اللغوي والغني في تنوع الاختصاصات على الإنتاج المعرفي وعلى التفاعل بين الثقافات واللغات والباحثين والباحثات.
ضع تفاعل الجامعات مع المجتمع.
تقاسمها بخصوص إدراج مفهوم الجندر في مناهجها وفي مقرراتها الدراسية وعلى مستوى الأجندة البحثية.
أما فيما يخص اللغة، تبين أن هناك علاقة بين لغة البحث وبين مدى الإنتاج المعرفي في تلك اللغة، وهذا ما يفسر طغيان المناهج الوصفية الإحصائية على بحوث اللغة العربية، والمناهج التحليلية على بحوث اللغة الانجليزية.
ولعل مرد ذلك يعود إلى أن اللغة الانجليزية على تماس مباشر مع المفاهيم والاتجاهات الفكرية لاسيما "الجندر".
بخصوص جنس الباحثين والباحثات، كان لافتا تقدم النساء كباحثات في معالجة موضوع "المرأة والإعلام" على الرجال، وعلى الجمعيات والمنظمات.
فكانت طبيعة بحوث الرجال بالدرجة الاولى نظرية تحليلية، وتأرجحت بحوث النساء بين الميدانية الكمية والنظرية التحليلية.
وربما يعود ذلك إلى أن الرجل مرتاح على وضعه في البنية القانونية التي هي بالأصل وضعت بشروطه وبمعاييره، فبدا من خلال بحوثه انه هو المعيار هو الثبات، وبدأت المرأة متحركة نحو هذا المعيار، قلقة مرتبكة تبحث عن الوسائل الكفيلة بالاعتراف بها وبحقوقها، تصطدم باستمرار بالاعتراف المشروط، فتجد نفسها بحاجة لتوسيع مروحة المداخل عبر تجميع المعطيات وتحليلها.
بخصوص منطلقات البحوث، كان هناك أربع اتجاهات فكرية كمنت وراء مقاربات بحوث العينة:
الاتجاه الأول تمثل بمنطلقات الناشطات النسوية، والجمعيات التي تقف وراءهنّ والمنظمات الدولية الداعمة لهنّ، والتي تترجم بمقاربة حقوقية ملتزمة لقضايا المرأة ومتابعة لها، ساعية لإبراز أماكن التمييز والإجحاف بحقها، محاولة بنفس نضالي تقديم توصيات ومقترحات حلول، محاولة في الفترة الأخيرة إدماج مفهوم النوع الاجتماعي في مقارباتها، وان بدا هذا المفهوم أحيانا مسقطا وغائما.
الاتجاه الثاني يتمثل بمنطلقات محامين ومحاميات، عاملين وعاملات في الحقل العام، وملتزمين وملتزمات بقضايا الإنسان، متخطين ومتخطيات النضال المطلبي إلى العمل على أنسنة القوانين عبر تنميتها، والعمل على تنزيلها، انسجاما مع ما ورد في مقدمة الدستور، والعمل على الرقي بها ومقارنتها بالمواثيق والمعاهدات الدولية. ومنطلقاتهم الحقوقية بخصوص المرأة هي النظر إليها كمواطنة وكانسان.
الاتجاه الثالث تمثل بمجموعة من القانونيين والقانونيات وخصوصا الرجال الذين قاربوا الموضوع من منطلق قانوني عام وتقني، دون أي تحسس جندري على الموضوع، ودون التمعن في المفاعيل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الناتجة عن التميز ضد المرأة.
ويضم هذا الاتجاه عدة توجهات:
توجه للتعامل مع القانون في إطار البنية القانونية في الإطار النظري للقانون وبالعلاقة مع بنية النظام اللبناني.
توجه يتعامل مع المواد القانونية بمعزل عن تنمية السياقات القانونية والسياسية والاجتماعية.
توجه لا يرى في التعامل مع المواد القانونية إلا المقارنة مع المواثيق والاتفاقات الدولية، لدرجة يكاد يلتبس الأمر على البعض فيظن أن الاتفاقيات هي الهدف بحد عينه.
والاتجاه الرابع تمثل بالباحثين والباحثات الذين يقاربون الموضوع من منطلق اجتماعي اقتصادي معيشي ثقافي، بمعزل عن القانون وتفاعلاته مع هذه الأوضاع.
وكان الملاحظ شبه غياب الاتجاهات التي قاربت الموضوع من منطلق تقيم تفاعل القوانين مع الواقع، ومن منطلق ثقافة القانون لجهة التكامل بين وظيفته، غاياته وتقنياته.
انطلاقا مما تقدم يتبن مدى الحاجة إلى:
بحوث تعيد مفهوم العدالة إلى صلب البحث القانوني وتنمية القانون بما يتناسب والعدالة.
بحوث تعمل على المقاربة البنائية المثلثة الأبعاد: الجندرية القانونية السسيولوجية، وان كان ذلك قد بدا يظهر بعض بحوث العينة، إلا أن هذه الخطوة لابد وان ترفد ببحوث أساسية تعمل على بلورة المفاهيم وعلى مساءلتها، والنظر إلي حقوق المرأة ليس بمعزل عن حقوق الرجل وإنما من منظور المواطنة والإنسان
بحوث لا تتعامل مع المتحرك على انه ثابت، ولا تتوقف في الزمن عند القرون الغابرة، أي لا تتعامل مع القانون على انه قدر نهائي.
الابتعاد عن النظر إلى القانون على انه مقيد لحركة المجتمع والناس. أي التعامل مع القانون على انه عامل أساس في تحقيق العدالة، وفي بناء الدولة، وفي بناء مفهوم المواطنة.
الحذر من التعامل الشكلي مع المواثيق والاتفاقيات الدولية، وإهمال العمل على ابتكار مداخل لتحديث وتنمية القانون من الداخل.
ومن ابرز النتائج التي أمكن ملاحظتها أن:
اهتمامات الباحثين والباحثات انضبت بالدرجة الاولى على قانون الأحوال الشخصية ثم قانون العقوبات
وبحوث الجمعيات انضبت على الاتفاقيات الدولية.
غالبية البحوث غابت عنها الوجهة القانونية، وتقدمت الجمعيات على النساء ثم على الرجال بعدم اعتماد وجهة قانونية.
نسبة ضئيلة من البحوث عالجت موضوعات المرأة والقانون ضمن إطار البنية القانونية، وضمن سياقاتها النظرية وسياقات أوضاع المرأة.
ميل الرجال أكثر إلى البحث في قانون محدد، وميل النساء أكثر إلى بحث حالات محددة.
انشغال الرجال أكثر في تفسير القانون ضمن سياقه النظري، وتوسيع النساء انشغالاتهن نحو تطبيق القانون وجندريته.
انطلاقا من النتائج المذكورة أعلاه والتي تشي بجندرية البحث في المرأة والقانون، إذ يستشم منها تنميطا جذريا مستنبطا لمقاربات ومنطلقات ومعالجات كل من النساء والرجال. وملخص هذا التقسيم للأدوار البحثية يتمثل على الشكل التالي: ما هو عام، وما هو كلي، وما لع علاقة بالبنية هو في معظم الأحيان من اختصاص الرجال. ما هو خاص وجزئي متوجس من الماس بالبنية هو الأغلب من اختصاص النساء.
بحوث تعتمد تداخل الاختصاصات ورفد بعضها البعض الآخر، لأننا ولجنا مرحلة بحثية جديدة تقوم على تلاقح الاختصاصات المتعددة.
بحوث تستخدم الذهاب والإياب بين العام والخاص، والخاص والعام.
دراسات تبحث في التنمية القانونية كما في التنمية الإعلامية، فالإشارة السريعة للقانون في عينة الإعلام، والإشارة السريعة للإعلام في بحوث القانون أملت هذه الحاجة
دراسات اجتماعية جادة ومعمقة تشكل رافدا للمشرع كي توفر له المعطيات الكفيلة بوضع القانون في إطاره السليم، إذ كيف يمكن للمشرع لن يستفيد من الدراسات الاجتماعية الأحادية الأبعاد آو من الدراسات الاجتماعية المتناقضة التي تتعامل مع الفرضيات على أنها مسلمات آو لدراسات متسرعة أن ترفد الدراسات القانونية بالمعطيات الكفيلة بدفع القانون نحو مزيد من المرونة؟
تحديث فعلي للبنى البحثية الجامعية على مستوى الاتجاهات البحثية، لنتمكن من مناقشتها وإعمال الفكر فيها.
وإدخال مفهوم الجندر في المناهج الجامعية ولاسيما في كليات الحقوق والإعلام لتحسيس القانونيين والقانونيات والإعلاميين والإعلاميات الشباب على موضوع العدالة وحقوق الإنسان والمواطنة.
إرساء تقليد لقاءات بين الباحثين والباحثات للتباحث في الاتجاهات البحثية وحالة الإنتاج المعرفي.
العمل من قبل وسائل الإعلام ومن قبل الحاضرة البحثية على إيجاد مساحة تواصلية وتفاعلية فيما بينها بهدف تعزيز العلاقة التفاعلية مع المجتمع.



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك